03 | خاطر

في ظل ظروف كهذه، أعني الجلوس في البيت، وعدم القدرة على الركض فوق الأجهزة الرياضية، و غياب الأحاديث القصيرة داخل المصاعد وزوايا المقاهي، أتأمل وأتفكر ليس لإستجداء حكمة ما أو بصيرة نافذة وحساسة، وإنما ما يحدث هو مسرحية شاسعة، تجبرك على النظر والفحص، أبطالها غريزة البقاء، والرغبة بالسيادة، الجنون، الهلع، والأكاذيب.

أفتح تقويمي الخاص المليء بالخطط والمنجزات والكثير مما هو معلّق، أفكر بحق، مالذي يدفعني للاستمرار في التقدم  لكل تلك الأهداف التي وضعتها؟، هل هو خوف من الخسارة؟ أم ندم استباقي  على عدم  الاستثمار  في شيء غير ملموس كالوقت؟ أم هو سعي لمكانة ما؟، هل هو إدمان العمل؟ أو توق محموم لتجربةٍ جديدة؟ أو ربما هو مجرد قلق وجودي خالص.

قرأت مقالة صباح اليوم، يقول فيها الكاتب أن على الأرض يعيش  مايقارب ٧.٥ مليار إنسان، ١٨.٦ دجاجة مليار، ٣ تريليون شجرة، كنت افكر كيف تستطيع أن تسع الأرض هذا كله؟ من أين كل ذلك التماسك؟، ماذا لو تسقط الأرض على الأرض؟، لا يوجد أرض؟  ما شكل الكثافة التي تحمل الأرض؟، هل هذا الفضاء؟ لماذا الظلام إذا؟

ثم قرأت مقالة عن تدمير الذات، كان الكاتب يستعرض ثلاث نماذج عامة يميل أصحابها  إلى الانتحار: ذلك الاهث وراء التطور شديد الفردانية المنفصل عن عادات المجتمع وتقاليده، أو ذلك الفرد المغمور بمعتقدات المجتمع ومطالبه، أو المنعزل بلا إرادة منه نتيجة للاضطراب الاقتصادي والأخلاقي، أخذت أتأمل لأي نموذج أنتمي، وكأني قررت الانتحار مسبقا.

بالرغم أن الأفكار و التساؤلات تتكاثر في رأسي، إلا أني أشعر بالسأم، ربما لأني اعتدت على دفع عجلة الحياة، ولم أعتد على دفع نفسي.

04 |سؤال

 

“ما هي أكبر مخاوفك في الحياة؟” كان هذا السؤال الذي أستهل به محادثات كثيرة، إما لتصنيف صديق جديد انضم لقائمتي، أو لمعرفة تقدم وعي أحدهم بعد آخر حديث بيننا، كنوع من الدراسة والفهم، وبرغم أني عرَّضتُ الكثيرين لهذا السؤال، لكني لم أشهد تمايزا بالإجابات، فالجميع يردد الموت دون أثر، أو الموت دون إنجاز حقيقي.

لم أستطع يوما أن أسأل أحدهم سؤالا دونما أوجهه لنفسي، في كل مرة أرتب فيها تجهيزا نفسيا بداخلي قبل طرح السؤال، لكن الأسى لم يتوقف عن تجديد نفسه، لم يعد كافيا ذلك العزم اليومي الذي أبذله للصمود والمواصلة، يقابل ذلك الأسى راحة غير مكتملة، أني لست الوحيدة، فكل من أعرف دائما يستحضرون مخاوفاً كهذه بشكل مستمر، مما يمدني بصبر إضافي أمام عجزي.

لم أقتنع يوما بأي تبرير مهزوم، فالعيش للعيش لم يعد محفزاً للاستيقاظ ليوم جديد، الإنجاز للإنجاز لم يعد محفزاً للأصالة والإبداع، والعبث والطيش لم يعدان محفزان للرغبة كما كان.

 

 

 

 

 

 

02 | امرأة رائعة

عندما يقول لي ذلك الصديق، أو الصديق الآخر، أو تلك الصديقة:” أنتِ امرأة رائعة!”

لم تعد تلك المغازلة تحيي فيّ أي شغف، أشعر بعجز تام، لأني امرأة رائعة، أني لا أستطيع ان أكون إلا امرأة رائعة، وكوني امرأة رائعة يعني أن أتعلم كل شيء دفعة واحدة، أن أنظر للمرآة ثلاث مرات يوميا، وأن أمرّن جسدي خمس مرات أسبوعيا، أن لا أتحدث مع البسطاء فهم مضيعة للوقت، وأن أشاهد مقابلة لمجموعة أذكياء يتناولون موضوعا لا اكترث له، أن أبدو فارهة المنظر وأنا أرتدي ثيابا متوسطة الثمن، أن أقول بضع كلمات مختارة، وأن أبقي حديثي قيّما وعميقا.

بالرغم من كوني شخص يحاول أن يجعل عقله مستيقظ بشكل دائم، ويحاول أن ينتقل من آفاق لآفاق أخرى بشكل جاد، إلا أن أزمة المرأة الرائعة تعطلني منذ أن أدركت أني لا أشبه الكثيرين.

أعرف أن مجموعة من الذين سيمرون هنا، يعتقدون أن ما أكتبه هو مجرد حالة من الإستنماء الأدبي الرومانسي الذي لا يحمل قيمة حقيقية سوا الاستعراض ولفت الانتباه، وهذا صحيح، لكن .. لا بأس .. فالمرأة الرائعة لا تكترث.

01 | في البدء

آجلاً بعد ليلة من تلك الليالي، أستيقظ .. وبلا إبطاء ،تستيقظ معي أشياء أخرى، بتروي غير مقصود أستجمع تركيزاً لشيء غير محدد، في محاولة لاستعادة كثافة وعيي الضائعة أثناء النوم، والسماح لعينيّ بالعودة مجددا للإبصار. أتمتم بضع كلمات عشوائية في الصمت الداخلي في محيط عقلي، فالإبصار في إدراكي البسيط حينها لا يعني أني حي ومستيقظ تماما.

خلال برهة من الاستيقاظ، أشعر بنشوة انتصار خفية على فكرة مربكة, لا أذكر تسلسل تكوينها لكن اجدني دائما وبلا ارادة مني أكن لها ايمانا حاد، حسنا .. الفكرة ساذجة، لكن أعلم يقينا أن سذاجتها لا ينفي تحققها، إن ما يجعلها مربكة ومخيفة بهذا الشكل أن تتحقق وهي ترتدي كل تلك السذاجة .. ماذا لو إني أصاب بالهلع وأنا ميته؟! ، يعني أن أكون ميته ويتبقى فيَّ وعيٌ لا يموت ..  وعي يذكرني بشكل مستمر وحقير أني ميته .. أني لا أستطيع أن أنجز أي عمل، عدى الاستمرار بالإستلقاء والتآكل بصمت رويدا رويدا حتى التلاشي، وبرغم هذا التلاشي إلى حد الإختفاء، لا يموت ذلك الوعي اللعين،  الذي يذكرني بأني لازلت مستمرة بالموت لكن  بشكل غير مرئي.

يتطلب الأمر بضع دقائق كي ينتهي هذا كله وأنهض من السرير، أمسك الهاتف ليعود لرأسي وعي من نوع آخر، يكرر في ذهني أن تلك عادة يجب أن تتوقف، أخبر ذلك الوعي اللطيف الذي يحاول مساعدتي  كل صباح .. عزيزي اخترت اليوم الخاطئ لتصحح عادتي تلك، عُد غدا وستراني اكثر حزما واستجابة، إن ما أحبه في هكذا أنواع من الوعي ،  أنه لا حاجة  لكثير من تلك الجهود المضاعفة لمقاومته، بضع كلمات بسيطة و مكرورة على نحو يومي كافية ليرحل دونما أن تلحظه.

أستجمع طاقة تكفي لأربع خطوات متساوية البعد حتى أصل لباب الغرفة، أفتح الباب .. لأجد كوكب .. قطتي تنتظر، لم أعامل كوكب يوما على أنها حيوان، افسح لها الطريق بحذر، كوكب تحب القفز فوق الأثاث والنظر عبر النافذة، أعرف أن كوكب لا ترى العالم كما أراه، مما يجعلني أكن لها احتراما خاصا بشكل مستمر، بالرغم أني شخصٌ بالكاد يضع وقتا للإعتناء بنفسه إلا أن عنايتي بكوكب تمدني بمقدار كاف بالسعادة تجعلني أستمر بالعناية بها دون مضض ، أعزو ذلك ربما لتلك الكيمياء التي أشعر بها بيني وبين كوكب.

خلال المشي البطيء نحو المطبخ، وبلا هدف محدد عدا صورة ذلك الصحن الرمادي، والخمسون جراما من  رقائق الشوفان وكوب من القهوة عالي الحرارة.

في طفولتي كان الترتيب التي تراه أمي صحيحا، أن أبدأ بتجهيز نفسي أولا، ومن ثمة يأتي وقت الإفطار، تأتيني مسرة غير معلنة أنه ما من حاجة لاتباع تلك التعليمات الغير منطقية مجددا، فإسعاد النفس وامتاعها يأتي أولا.

ثمة شيء ما يحث على الإسراع،بالرغم أن الوقت لا يزال باكرا، استعجل خطاي لأُشعرَ نفسي بالفعالية والإنجاز، في الدرجات الأولى التي تقودني خارج المنزل، انظر للسماء بعُجالة، لتقدير حالة الطقس، ليس تقيما لمدى صحة اختيار ملابس الخروج لهذا اليوم، فالطقس هنا غير متطرف إلا في مستويات الحرارة الشديدة او المعتدلة، وإنما  أراقب الطقس في محاولة لاستعادة وعيي بالمحيط، وحتى تطمئن غريزتي بالبقاء أنه ما من داع لأخذ أي احترازات إضافية عدا القناع الذي ارتديه صباحا، ذلك القناع الذي تحققت من جداوه  مرارا في لحظات سوء فهم تافهه ومتكررة، والتي أدركت بعدها وبشكل حتمي مدى عناء أن يكون المرء نفسه مع غيره .. وغادرت المنزل.