(١): تسكع بصحبة الوقت.

الموسيقى التصويرية لهذا النص: Spirit Of The Warrior


مضى الأسبوع على نحو جيد في بادئه. هذا العزل الجسدي والاجتماعي وضعني في وفرة غير مسبوقة من الوقت؛ مما عرضني ذلك للكثير من التجربة والتأملات.

في وجه هذه الوفرة،كنت أخوض في نفسي تأملاً تاما، منذ مدة أشعر بكثافة في صدري، نوع من الدفء الذي ينتجه وجود شخصان في حيز لا تدرك حجمه، أشعر أني تجاوزت فكرة البحث، أعني البحث عن الذات،أشعر بشدة أني هنا وهذه ذاتي، أشعر بها وتشعر بي، نجلس متواجهين، ونقف متقاربين، كأنداد ربما أو شركاء لكننا لسنا أعداء بالطبع، لأننا عقدنا عهدا غليظا فيما مضى، أن اقبل بنواقصها و أن تقبل هي بقلة صبري وتقصيري في فهمها.

 حين يقول مارتي في مسلسل “Ozark“:

” كل شيء قابل للقياس إلا البشر”

أصدقه جدا، في ذات الوقت أصدق الانجيل في قوله

“Nothing new under the sun”

وهذا ايضا صحيح، نحن مكرورون بطريقة غير مكرورة، وهذا النقيض مثالي جدا للطبيعة البشرية، فهو يمنحنا تواضعا كلما تعالينا، و أسيّة كلما حزنا، و سؤالا كلما جهلنا، فنحن في مآسينا نتوحد، وفي رغباتنا نتمايز، نميل بشدة الى توليد معان كثيرة للألم والرغبة، لجعلهما أمرا نبيلا، حقيقيا، ومبررا، وهذا يثير فينا سؤالا، وحركة، وسكينة لمن ادرك واستبصر.

منذ مدة يلازمني سؤال أشعر أنه سيتصدر مناسبات حديث كثيرة مع الأصدقاء، وسجل مطول من كلمات البحث ذات العلاقة على متصفحي، كيف نبني هوية نستأنس بها وتعطينا سكينة مستمرة، بالوقت ذاته لا نمضي متبقي حياتنا في الدفاع عن تلك الهوية؟

يقول نيكوس كازنتزاكي ناحتا على قبره:

”أن لا أرجو شيئًا، ولا آمل بشيء. أنا حرّ”

أدرك أن التطرف في أمر كهذا قد يسحقني بالكامل، لكن بالحدس أعلم بوجود حكمة عبقرية في تحرر عريض كهذا.

من المحاولات التي اضفتها موخرا إلى قائمة اصلاحاتي، كان إعادة النظر في أسلوب تعلمي، فحسب تصنيفMBTI شخصيتي معماري INTP، فالطبيعة المرنة المتساهلة في P تتزامن مع طبيعتي المفكرة في T، و التي تخلق فيّ شغفا لا متناهي للمعرفة، لكنه يفتقد الى التركيز، ويظهر هذا بأن أولد أفكارا كثيرة لا استنتاجات أو ترابط متماسك في الفهم، وفي عمر متقدمة، أعني ٢٥ عاما، بدأ يصبح ذلك معيقا، فشعرت بحاجتي إلى وضع منهجيات تعلم صارمة بعض الشيء تنظم تحركي وتغذي شغفي في الوقت ذاته، سألت صديقة أثق بها” ما هي الموضوعات والاطروحات الفكرية التي تعتقدين أنها مهمة كمدخل إلى قراءة الفكر؟”، كان جوابها كالتالي: ” هذا يعتمد تماما على المواضيع التي تدخل دائرة اهتمامك، حددي المجال وابحثي عنه بهذا الشكل مثلا:

قضايا انسانية معاصرة

قضايا اقتصادية معاصرة

قضايا اجتماعية معاصرة

اقرئي مقالات في المجالات التي تدخل دائرة اهتمامك، ثم حددي القضية، ثم المؤلفين المؤثرين في هذا الجانب، وابدئي قراءتك لإطروحاتهم”

وأجد أن ذلك مناسب جدا، لذلك صنعت قائمة تحت الانشاء على Goodreads، تحت عنوان قراءات مركزة، سأضيف كتب تحمل قضايا متشابهة بتسلسل متدرج، وبأقل عدد ممكن.

تلك الاضافات تزامنت أيضا مع اتفاق ابرمته مع صديقة مقربة جدا، أننا سنتوقف عن تعاطي المعرفة التي من نوعية “How”، وسنبدأ بتقدير ما لدينا من معرفة، والتي اكتسبناها خلال الوقت المنصرم، وسنحاول اختبار ما تعلمناه بالممارسة، ومحاولة حصد نتائج محسوسة. وعليه قمت بإيقاف جميع اشتراكاتي على منصات المساقات التعليمية مثل linkedin learning، skillshare و غيرها.

بالأمس حدث أمر طارئ، وضعني في ربكة محتدمة، كنت أود الاعتذار لي بشكل متكرر، لكني سامحت نفسي قبل أن أشرع بالاعتذار، صباحا شكرت الحدث واطرافه في نفسي، أن تلك شارة تومض بأن لا مناص من مواجهة أمورا قد أجلتها أو تجاهلتها، المزيد من الوقت والصدق هذا ما احتاج، وأنا على طريق اخترته لذلك لا مبرر للقلق.

عزاء الأسبوع أتى من صورة شعرية بديعة لأحد الشعراء، قرأتها على مدونة عبدالله الوهيبي:

وقل للفؤاد إنّ نزا بك نزوةً من الروع

أفرخ؛ أكثر الروع باطله

” المعنى: إن الروع في القلب كالفرخ في البيضة، فهو يدعو الخوف إلى الخروج من القلب”

.