08 | تحديثات

مضى على آخر تدوينة ٦٢يوماً، حدث الكثير خلالها، الكثير مما أستطيع ومالا أستطيع إدراكه وفهمه جيداً. تغيرات في ساعات العمل، تغير في أرقام الميزان، تغيرات في أعداد الأصدقاء، خروج أشياء ودخول أشياء أخرى، وبالرغم من هذا الحراك؛ إلا أن السأم بدأ يتفشى بداخلي، ليس سأماً من الحياة ذاتها، لكنه سأم التكرار، لم تعد الحياة تمضي بالشكل الذي أحبه، كما أني اعتدت لسنين طويلة على مرونة تشكيل الحياة كما أرغب، ربما لسني الصغيرة آن ذاك، وربما لرغباتي والتي لم تكن بالضخامة التي يصعب تحقيقها.

توقّع شاهق.

كان اشتغالي الدائم ولا زال هو اشتغالي على نفسي، لطالما توقعت منها الكثير، الكثير الذي آمنت أنه سيتحقق اليوم أو غدا أو آجلا، أدمنت توقعاتي من نفسي للدرجة التي صارت هي المحفز الوحيد للإقدام على أمر ما، واختبار احتمالية تحقق ذلك الشيء، وبمجرد أن أخوض الأمر بجلّي أنسى تماماً أني كنت أجرّب توقعاً فقط، مجرد توقع وافتراض، ليس بحقيقة مدرَكة ولا احتمالا مؤكداً، أصاب بالدهشة وجميع انفعالات الحماسة حين يتحقق توقعي حول نفسي، لكن لاحقا حينما أفشل في أمر ما، كان دافعي حوله هو فقط تجربة توقعي، أجدني أصاب بخيبة مضاعفة وأخبو كثيراً حتى من توافه الأمور. اليوم أنازع نفسي وأحايلها بأن تخفّض من توقعاتها، وأن تعمل أكثر بقلبٍ أكثر صلابة ورحابة.

العادة، العمل، التحسّن.

أكرر في رأسي هذا الترتيب: اجعليها عادة، استمري بالعمل، ثم فكّري بالتحسّن. والأمر ينجح! فعلا ينجح. طبّقت ذلك على روتيني الرياضيّ، بدأ الأمر فقط بجعل الذهاب إلى صالة النادي أمراً اعتياديا، خصصت ثلاثة أيام في الأسبوع لزيارة النادي، كتبت بالضبط مالذي سأفعله فور دخولي للنادي، قوائم الموسيقى التي سأسمعها، وفي أي وقت من اليوم سأذهب وفي أي يوم من الأسبوع. خلال الشهر الأول التزمت بذلك وصارت زيارة النادي أمراً اعتياديا تماما، لا يحتاج للكثير من التخطيط والترتيب المسبق، بعد شهر أضفت يوما آخر، بعد شهر آخر أضفت يوما آخر أيضا، ونجح الأمر. استمررت بالذهاب إلى النادي بذات الكثافة لخمس أشهر دون انقطاع، والنتائج كانت رائعة بحق. ولولا الكوفيد أراهن أني كنت سأستمر بالزخم ذاته إلى اليوم.

عزمت على تطبيق هذا الترتيب في نواح حياتي الأخرى. أريد روتينا خاصا للخلق وصناعة الأشياء، و روتين آخر للتواصل مع الآخرين، كون ذلك ليس من طبيعتي، أعني إبقاء دائرتي الاجتماعية حيّة.

قيمة مضاعفة.

إن صناعة القيمة هو فنّ، أدرك هذا بشكل واضح حينما أبتاع مساق تعليميا حول أمر ما دون تردد، فقط لأن القيمة التي يحملها يساوي أضعاف المال الذي سأقايض به للحصول على هذه المادة. الأمر ينطبق كذلك على الأصدقاء، والعلاقات، الأعمال. كلما ارتفعت القيمة التي يقدمها شخص ما، كلما ارتفع الطلب عليه، وكل تلك الميزات الأخرى، كالاحترام والتقدير والفرص وغيره. ولطالما فكرت مالقيمة التي أريد أن أقدمها بشكل مستمر، بالطبع لست بارعة في تقديم القيم العاطفية بالقدر الذي أشعر أني بارعة في تقديم قيمة فكرية أو حل لمشكلة ما، لطالما شعرت أن خُلقت لهذا، أعني أخبرني بالمزيد وسأقول لك مالخلل.

تجربة

أشرت في تدوينة سابقة أني بشكل مستمر سأبقي يدي على التجربة، مازلت ملتزمة بذلك، والفكرة لا تسقط من رأسي البتة، فعلت الكثير خلال الأشهر التي مضت، صنعت فديو وثقت فيه يومي، طلبت من مديري تغيراً في المهام الموكلة، وبالفعل حدث، تعرفت على أصدقاء جدد ومن فئات عمرية متفاوته دون خجل، أنشأت حسابا آخر في إحدى المنصات على الشبكة وأطلقت جانبا آخر مني، اشتركت مع مدربة رياضية، أخذت جلسة استشارية مع طبيب نفسي، سمحت لنفسي لأيام عديدة بالمضي دون إدماناتها التي اعتادتها، ولا زال العمل على إبقاء التجربة حيّة هو مشروعي الملازم في كل مرحلة.

مفضّلات

أقع في حبّ ايمان مرسال بشكل متجدد في كل مرة أقرأ ما تكتبه، للحد الذي أتمنى أن أمتلك قصائدها وأسجلها بصوتي.

الكتاب كان احدى توصيات فؤاد الفرحان، الكتاب يعطي إجابات عملية لمن يبحث عن تثبيت عادة ما بنهج واقعي.

إضافة إلى أن السيدة جينفر تمتلك بشرة رائعة، إلا أن ما أحبه فيها بحق هو عدم تكلّفها ورأيها الصريح حول المنتجات التي تستخدمها.

  • Colors – أغنية الصباح

It’s good day to be, a good day for me, a good day to see my favorite colors

07 | برتقال

*برتقال يبالغ في برتقاليّته  

8FE8D479-E36A-4854-BB41-9E1E4BD5695C

-ثيمة هذا الصباح: على بعد متران .. بثبات على جدائل الخُوص: برتقال يبالغ في برتقاليّته-


 

GIF image-F0ADD3252C9B-1

*نفاذ نحو الذات

هذه الأيام تمضي على ما يرام جدا، لا أفعل الكثير خلال اليوم، عدا الاستبصار نحو أفكار محددة؛ أحاول إعادة تنظيمها في رأسي للتحقق من جدواها، وكخطوات داعمة لذلك، تخلصت من كل ما يستعدي انتباها مضاعفا دون تبرير، حددت وقتا خاصا للعمل لن أتجاوزه، وإن عنى ذلك وقتا اضافيا وتأخيرا في تسليم المهام. يظن الأصدقاء أن أطباعي تلك معيقة؛ فهي تجعلني ألتف حول نفسي حسب وصفهم، لكني أمتن كثيرا لهذه الأطباع؛ فهي منحتني القدرة على النفاذ السريع نحو ذاتي حينما يتداعى الخارج، وأظن أن أكثر ما أنقذني في هذه الحياة بحق، هي رؤيتي المستمرة لنفسي وانتباهي لها. تمر لحظات أشعر فيها أني أنا والعالم واحد، أُصبح أكثر قبولا لما يحدث، وأكثر زهدا بما لا أملك، وأكثر هوادة بالحركة. وتلك لحظات نيّرة .. ثمينة، ومحررة، لا تستمر طويلا، فقط تأتي لتطفئ توقي المحموم نحو جوهر ما. 


IMG_6519

*تحت المجهر: خوف طُفيليّ

كشخص يرى العالم كنماذج -Models- بشكل مستمر، يشغلني سؤال الكيفية والماهية، في شأن شكل حياتي للعشر سنوات القادمة من عمري. لم أؤمن بالعشوائية كأسلوب عيش، ودائما هنالك خطة قيد التنفيذ، بالمقابل أحاول ابقاء رحباتي منفتحة ازاء مفاجات الطريق، و الحفاظ على ذهنية مرنة نحو أي تغيير في المسار، ما إن انتبهت أن الوجهة خاطئة. و لـأجيب على سؤالي هذا، كان لابد أن أتحرر من مخاوفي، حتى يكون جوابا خالصا وأصيلا .. بدون شوائب وأقنعة، ولا أعني بهذا التحرر من المخاوف الكبيرة الغريزية، والتي هي أيضا تستعدي اشتغالا خاصا، فإمكانية العيش بلا سطوة الخوف ممكنة جدا، لكنني أعني تلك المخاوف الطفيلية الحجم، التي تعبث بدوافعي وأسبابي للقيام بعمل ما، كالدافع الخائف الذي يحثني للرد على رسالة ما، أو لمجاملة تدفعني بالقبول بنعم نحو عرض ليس من أولوياتي، أو حتى لتصرفات عصابية بدت طبيعية من شدة ملازمتها لنا طويلا، كاستخدام الأكل للتسلية والهرب، الإدمان على المحفزات كالقهوة والإستمناء، وسلاسل من التسويف الامنتهي والغير مبرر. ولأتمكن من رؤية مخاوفي بشكل واضح، بات لزاما أن أطور قدرات ذهنية مختلفة، تسمح لي بالمراقبة الواعية، والتصرف العفوي في الوقت آنه، حتى تفضح عفويتي ذلك الخوف الطفيلي، وتلتقطها مراقبتي الفاحصة.


tumblr_otaqx5DY6G1u7t6tro1_1280

*تجربة.

لا أشعر أني لا أعرف ما أريد، لكني أشعر أن لدي نقص في التجربة، ولا أعني بذلك المزيد من التجارب العشوائية، لكن تلك التجارب التي تنطوي على احتمالات حول وجود مكسب ما  أو اجابات خلفها، كما أن التجربة  إن لم تكن مثالية النتائج، فهي فاعلة بذاتها، وتسمح لي على الأقل أن أعرف من أنا من خلال من لا أنا، أي أن أعرف نفسي بما هو ليس نفسي. وحتى أحقق ذلك أظن أنه من المهم جدا أن أعمل بالأقل وأجرب بالأكثر، وأن أختار تجاربي بعناية فائقة.


 

IMG_6520

*باب موارب، باب مغلق، باب مشرّع

اعتدت سنينا طويلة على ترك الأبواب مواربة، إما لصداقات أو علاقات عاطفية سابقة، لكنّي بالتجربة الصعبة تعلمت أن ذلك أسوء ما يمكن أن تقدمه لنفسك، دربت نفسي على حسم الأمور وإنهائها تماما بشكل لائق، ذلك يعني أن تترك مساحة شاغرة تسمح لفرص أخرى بالاقتراب والدخول، وأن تمتلك القدرة مجددا على النظر لخيارات أخرى. الأبواب المواربة ما هي إلا “هراء عاطفي” ومحاولاتٍ خجولة ممتلئة بالخوف والعار، خوف من المضيّ قدما بدون الأشياء التي اعتدناها، وشعور بالعار من قول لا، لأننا نظن أننا لا نستحق أكثر مما هو موجود الآن، لذا نشعر بشكل مستمر بحاجة لوضع احتياطات وضمانات إضافية عبر ترك أبواب تلك العلاقات والصداقات مواربة، حتى تمنحنا أمانا زائفا و وهما بالعودة.

عضلة حسم الأمور تلك تنمو في كل مرة نستخدمها، وهذا لا يعني أننا لن نكون مرهفي حسّ مرة أخرى، وسنعيش بالدم البارد، لكن يعني أننا سنكون أكثر مسؤولية تجاه أنفسنا، وتجاه من نختار، وسنعمل بجهدنا على توفير تواصل وعلاقات أكثر أمانا وحيوية، أمتن كثيرا لعضلتي تلك، الآن أنا إما أن أذهب بكلي نحو شخص ما وأسمح لـ “كُلّ” الطرف الآخر بالدخول إلى عالمي، وإما صرف النظر الكامل سيكون خطوتي القادمة. انتظمت حياتي الاجتماعية كثيرا، ولا أجد في قائمتي أناس لا أحمل معهم أي مشتركات، عدا زمالات العمل التي لم أفتح لها يوما أبوابي، لأني أكتفي بالنظر من النافذة لهكذا علاقات، إلا إذا أثبتت نفسها (أي الزمالة) أنها أكثر من ذلك. إن معرفة نوع الصلة التي تربطني بالآخرين سمح لي بتحديد شكل الاستثمار وقدره تجاههم دونما تقصير في حق نفسي. وأي علاقة لا تملك احتمالات النمو هي علاقة مثقوبة، مُهدِرَه، ومُضيّعة للذات في أحيان كثيرة .. على الأقل في تصوري. 

 

 

 

 

06 | أنيتشا

لم يمضي هذا الأسبوع على نحو اعتيادي كما توقعت، فالأفكار في رأسي فقدت تنظيمها المعتاد، وباتت تنشط بغتة وتخفت بغتة أخرى ،مما عرضني لشلل في القدرة على الإحساس أو عمل أي شيء، ولربما يعود ذلك إلى غياب القلق اليومي الذي كان يمدني به العمل، والذي كان يغذي غرائزي القتالية باستمرار، تركني وترك فراغا لم احسن ملئه للان، الأحاديث العشوائية التي كنت ارتجلها مع اختي وزميلات العمل وبعض الأصدقاء لم تعد متاحة كالسابق، وتركت هي أيضا فراغا لم احسن ملئه للان، والنشاط المفرط الذي عودت جسدي عليه خلال الستة الأشهر التي مضت، لم يعد حاضرا كما كان، فلا أدوات ولا مساحة ولا محفز للحركة وهذا بدوره وضع قلقا وفراغا إضافي لم احسن التعامل معهما للان.

قبل يومان غيّرت مكان مرآتي، و وضعتها بجانب الباب، لأضمن وجود انعكاسي في كل مرة أدخل بها غرفتي وأخرج، وازنتها بحيث لا تظهر شيئا عدا الجدار الذي خلفي وأنا، تلك إحدى هواياتي التي أحب، الاستعراض أمام المرآة، كما لو أني على خشبة مسرح أو بمشهد غنائي في فلم، أبدأ ذلك بالوقوف منتصبة وعلى ابهام قدمي الأيسر مُميلةً خاصرتي اليمنى إلى الأمام قليلا، كانت تلك حركتي الاستعراضية الأحب، والتي دربت جسدي عليها كثيرا.

ذلك يذكرني بكل الإجابات الكاذبة التي قلتها بشأن ما أريد فعله في المستقبل، فالحقيقة أريد أن أصبح ممثلة استعراضية،أو راقصة شرقية أو لاعبة “كلاستنيك” من الدرجة الأولى، أحب استخدام جسدي كوسيط للتعبير عني، وأحب استمالة المعنى بجسدي أيضا، وأعني بتعبير “أحب” أني في أوقات كثيرة إقتت بشكل أساسي على هذه الفكرة، والتي حفزتني للاستيقاظ في أيام لم أمتلك لها أسبابا للنهوض، بالرغم أني لم أنظم أي خطة لتحقيق هذا، لكن في نظري لا شيء يستحق الخلود أكثر من جسد امرأة قوي.

سألتني صديقتي سؤالا أثار فيّ مشاعر محمومة كنت قد هذبتها فيما مضى، ” بتول .. ما الشيء الذي تفتقدينه باستمرار” انسابت الكلمات مني دون إرادة، وكأنما كانت تعاقبني على كبتي المطول لها، قلت: شعور الانسجام مع ذاتي والألفة مع المحيط. تأملت إجابتي المرتجلة، وانتبهت أن تلك معادلة قامت عليها حياتي كثيرا.

لم أتصالح يوما مع فترة العصر و أواخر النهارات، يعود هذا لكونه الوقت التي تستعد فيه الشمس بعملها الانسحابي، والذهاب عن طقسي وأفقي، إلى طقوس وآفاق آخرين، فأنا “بنت النور” وعتمة النوافذ تصيبني بالوحشة، والليل ليس لي، الليل للأحباء، كما يغني طلال” عشقت الليل من شانه”


 

VideoToGif_GIF

F75544C4-8B68-4B61-B866-A82DCB6DC4E9

إن كان لابد من حكمة من وجود قطة في منزل، فهو أن نتعلم منها الاستحقاق بالقدوة، فالقطة  تأكل معنا دون دعوة منا لها، لأنها تشعر ببساطة أنها تستحق أن تأكل، تخربش الأبواب في أي وقت من اليوم ونفتح لها مضطرين، تنام على الأريكة رافضة أي مشاركة، ترفض شرب الماء من الوعاء بعد أن عرفت أن الجميع يشرب الماء من القوارير والقنينات.


 

لا أريد الاعتراف بدوافعي عن قولي هذا، لكن بالرغم من ميولي الإسرافية والإدمانية والهائجة، إلا أني تمرّست ضبط نفسي كثيرا، وكم حررني هذا بدوره من مخاوف ومتاعب كثيرة محتملة، وإن كان لابد من احتفاء بالذات، فتلك واحدة من الأشياء التي أفخر بها وأحبها في نفسي.

وفي سياق الطباع، من أكثر الطباع قبحا واستهجانا لدي هي نكران الجميل، وكم جاهدت نفسي على أن أستحضر امتنانا ولو صغيرا كل يوم، لذا صار لزاما عليّ ،على الأقل أن أستعرض بعض المباهج التي أصادفها بيومي:

أبدأ امتناني لمظاهر الحياة اليومية التي غابت عن انتباهي كثيرا .. صوت الأطفال في عصر اليوم والحماس الشديد اثر التنافس على ألعاب ساذجة وبسيطة أستطيع تميزها، الهواء الذي صار يحمل روائح عدة، تارة رائحة خبز و تارة رائحة بخور بسيط، أنواع جديدة من الطيور، تطأ سطح منزلنا كل صباح، تنقر أرضنا بانتظام كما لو أنها تؤدي استعراض شكر لنا على فتات الخبز الذي نثرناه، صفاء السماء عند الساعة ٧ مساء و الذي سمح لي بمراقبة الوميض النابض للنجمة المشعة التي تقف يوميا في ذات الموضع من السماء، وقصائد سيركون بولص التي اكتشفتها مؤخرا. 


 

يقال في البوذية ” أنيتشا” أو ” أنيكا” وتعني الغير مستمر، كلما عبرتني فكرة ساذجة أو توجس ما، قوّضت شعوري نحوه بهذه الكلمة: أنتيشا .. أنيتشا.

*لا أسباب واضحة تدفعني لكتابة تدوينة كهذه، عدا التوثيق ذاته،و لأجل خاطر في أثير نفسي لم أرد كبته.

03 | خاطر

في ظل ظروف كهذه، أعني الجلوس في البيت، وعدم القدرة على الركض فوق الأجهزة الرياضية، و غياب الأحاديث القصيرة داخل المصاعد وزوايا المقاهي، أتأمل وأتفكر ليس لإستجداء حكمة ما أو بصيرة نافذة وحساسة، وإنما ما يحدث هو مسرحية شاسعة، تجبرك على النظر والفحص، أبطالها غريزة البقاء، والرغبة بالسيادة، الجنون، الهلع، والأكاذيب.

أفتح تقويمي الخاص المليء بالخطط والمنجزات والكثير مما هو معلّق، أفكر بحق، مالذي يدفعني للاستمرار في التقدم  لكل تلك الأهداف التي وضعتها؟، هل هو خوف من الخسارة؟ أم ندم استباقي  على عدم  الاستثمار  في شيء غير ملموس كالوقت؟ أم هو سعي لمكانة ما؟، هل هو إدمان العمل؟ أو توق محموم لتجربةٍ جديدة؟ أو ربما هو مجرد قلق وجودي خالص.

قرأت مقالة صباح اليوم، يقول فيها الكاتب أن على الأرض يعيش  مايقارب ٧.٥ مليار إنسان، ١٨.٦ دجاجة مليار، ٣ تريليون شجرة، كنت افكر كيف تستطيع أن تسع الأرض هذا كله؟ من أين كل ذلك التماسك؟، ماذا لو تسقط الأرض على الأرض؟، لا يوجد أرض؟  ما شكل الكثافة التي تحمل الأرض؟، هل هذا الفضاء؟ لماذا الظلام إذا؟

ثم قرأت مقالة عن تدمير الذات، كان الكاتب يستعرض ثلاث نماذج عامة يميل أصحابها  إلى الانتحار: ذلك الاهث وراء التطور شديد الفردانية المنفصل عن عادات المجتمع وتقاليده، أو ذلك الفرد المغمور بمعتقدات المجتمع ومطالبه، أو المنعزل بلا إرادة منه نتيجة للاضطراب الاقتصادي والأخلاقي، أخذت أتأمل لأي نموذج أنتمي، وكأني قررت الانتحار مسبقا.

بالرغم أن الأفكار و التساؤلات تتكاثر في رأسي، إلا أني أشعر بالسأم، ربما لأني اعتدت على دفع عجلة الحياة، ولم أعتد على دفع نفسي.

04 |سؤال

 

“ما هي أكبر مخاوفك في الحياة؟” كان هذا السؤال الذي أستهل به محادثات كثيرة، إما لتصنيف صديق جديد انضم لقائمتي، أو لمعرفة تقدم وعي أحدهم بعد آخر حديث بيننا، كنوع من الدراسة والفهم، وبرغم أني عرَّضتُ الكثيرين لهذا السؤال، لكني لم أشهد تمايزا بالإجابات، فالجميع يردد الموت دون أثر، أو الموت دون إنجاز حقيقي.

لم أستطع يوما أن أسأل أحدهم سؤالا دونما أوجهه لنفسي، في كل مرة أرتب فيها تجهيزا نفسيا بداخلي قبل طرح السؤال، لكن الأسى لم يتوقف عن تجديد نفسه، لم يعد كافيا ذلك العزم اليومي الذي أبذله للصمود والمواصلة، يقابل ذلك الأسى راحة غير مكتملة، أني لست الوحيدة، فكل من أعرف دائما يستحضرون مخاوفاً كهذه بشكل مستمر، مما يمدني بصبر إضافي أمام عجزي.

لم أقتنع يوما بأي تبرير مهزوم، فالعيش للعيش لم يعد محفزاً للاستيقاظ ليوم جديد، الإنجاز للإنجاز لم يعد محفزاً للأصالة والإبداع، والعبث والطيش لم يعدان محفزان للرغبة كما كان.

 

 

 

 

 

 

02 | امرأة رائعة

عندما يقول لي ذلك الصديق، أو الصديق الآخر، أو تلك الصديقة:” أنتِ امرأة رائعة!”

لم تعد تلك المغازلة تحيي فيّ أي شغف، أشعر بعجز تام، لأني امرأة رائعة، أني لا أستطيع ان أكون إلا امرأة رائعة، وكوني امرأة رائعة يعني أن أتعلم كل شيء دفعة واحدة، أن أنظر للمرآة ثلاث مرات يوميا، وأن أمرّن جسدي خمس مرات أسبوعيا، أن لا أتحدث مع البسطاء فهم مضيعة للوقت، وأن أشاهد مقابلة لمجموعة أذكياء يتناولون موضوعا لا اكترث له، أن أبدو فارهة المنظر وأنا أرتدي ثيابا متوسطة الثمن، أن أقول بضع كلمات مختارة، وأن أبقي حديثي قيّما وعميقا.

بالرغم من كوني شخص يحاول أن يجعل عقله مستيقظ بشكل دائم، ويحاول أن ينتقل من آفاق لآفاق أخرى بشكل جاد، إلا أن أزمة المرأة الرائعة تعطلني منذ أن أدركت أني لا أشبه الكثيرين.

أعرف أن مجموعة من الذين سيمرون هنا، يعتقدون أن ما أكتبه هو مجرد حالة من الإستنماء الأدبي الرومانسي الذي لا يحمل قيمة حقيقية سوا الاستعراض ولفت الانتباه، وهذا صحيح، لكن .. لا بأس .. فالمرأة الرائعة لا تكترث.

01 | في البدء

آجلاً بعد ليلة من تلك الليالي، أستيقظ .. وبلا إبطاء ،تستيقظ معي أشياء أخرى، بتروي غير مقصود أستجمع تركيزاً لشيء غير محدد، في محاولة لاستعادة كثافة وعيي الضائعة أثناء النوم، والسماح لعينيّ بالعودة مجددا للإبصار. أتمتم بضع كلمات عشوائية في الصمت الداخلي في محيط عقلي، فالإبصار في إدراكي البسيط حينها لا يعني أني حي ومستيقظ تماما.

خلال برهة من الاستيقاظ، أشعر بنشوة انتصار خفية على فكرة مربكة, لا أذكر تسلسل تكوينها لكن اجدني دائما وبلا ارادة مني أكن لها ايمانا حاد، حسنا .. الفكرة ساذجة، لكن أعلم يقينا أن سذاجتها لا ينفي تحققها، إن ما يجعلها مربكة ومخيفة بهذا الشكل أن تتحقق وهي ترتدي كل تلك السذاجة .. ماذا لو إني أصاب بالهلع وأنا ميته؟! ، يعني أن أكون ميته ويتبقى فيَّ وعيٌ لا يموت ..  وعي يذكرني بشكل مستمر وحقير أني ميته .. أني لا أستطيع أن أنجز أي عمل، عدى الاستمرار بالإستلقاء والتآكل بصمت رويدا رويدا حتى التلاشي، وبرغم هذا التلاشي إلى حد الإختفاء، لا يموت ذلك الوعي اللعين،  الذي يذكرني بأني لازلت مستمرة بالموت لكن  بشكل غير مرئي.

يتطلب الأمر بضع دقائق كي ينتهي هذا كله وأنهض من السرير، أمسك الهاتف ليعود لرأسي وعي من نوع آخر، يكرر في ذهني أن تلك عادة يجب أن تتوقف، أخبر ذلك الوعي اللطيف الذي يحاول مساعدتي  كل صباح .. عزيزي اخترت اليوم الخاطئ لتصحح عادتي تلك، عُد غدا وستراني اكثر حزما واستجابة، إن ما أحبه في هكذا أنواع من الوعي ،  أنه لا حاجة  لكثير من تلك الجهود المضاعفة لمقاومته، بضع كلمات بسيطة و مكرورة على نحو يومي كافية ليرحل دونما أن تلحظه.

أستجمع طاقة تكفي لأربع خطوات متساوية البعد حتى أصل لباب الغرفة، أفتح الباب .. لأجد كوكب .. قطتي تنتظر، لم أعامل كوكب يوما على أنها حيوان، افسح لها الطريق بحذر، كوكب تحب القفز فوق الأثاث والنظر عبر النافذة، أعرف أن كوكب لا ترى العالم كما أراه، مما يجعلني أكن لها احتراما خاصا بشكل مستمر، بالرغم أني شخصٌ بالكاد يضع وقتا للإعتناء بنفسه إلا أن عنايتي بكوكب تمدني بمقدار كاف بالسعادة تجعلني أستمر بالعناية بها دون مضض ، أعزو ذلك ربما لتلك الكيمياء التي أشعر بها بيني وبين كوكب.

خلال المشي البطيء نحو المطبخ، وبلا هدف محدد عدا صورة ذلك الصحن الرمادي، والخمسون جراما من  رقائق الشوفان وكوب من القهوة عالي الحرارة.

في طفولتي كان الترتيب التي تراه أمي صحيحا، أن أبدأ بتجهيز نفسي أولا، ومن ثمة يأتي وقت الإفطار، تأتيني مسرة غير معلنة أنه ما من حاجة لاتباع تلك التعليمات الغير منطقية مجددا، فإسعاد النفس وامتاعها يأتي أولا.

ثمة شيء ما يحث على الإسراع،بالرغم أن الوقت لا يزال باكرا، استعجل خطاي لأُشعرَ نفسي بالفعالية والإنجاز، في الدرجات الأولى التي تقودني خارج المنزل، انظر للسماء بعُجالة، لتقدير حالة الطقس، ليس تقيما لمدى صحة اختيار ملابس الخروج لهذا اليوم، فالطقس هنا غير متطرف إلا في مستويات الحرارة الشديدة او المعتدلة، وإنما  أراقب الطقس في محاولة لاستعادة وعيي بالمحيط، وحتى تطمئن غريزتي بالبقاء أنه ما من داع لأخذ أي احترازات إضافية عدا القناع الذي ارتديه صباحا، ذلك القناع الذي تحققت من جداوه  مرارا في لحظات سوء فهم تافهه ومتكررة، والتي أدركت بعدها وبشكل حتمي مدى عناء أن يكون المرء نفسه مع غيره .. وغادرت المنزل.