09 | آسف

آسف

هذه الأيام أشعر باغتراب شديد، وبتوق محمومٍ تجاه مجموعةٍ من المشاهد، بعضها قد عشتهُ مسبقا بالفعل. والبعض الآخر يشبه مشهداً آتياً من الضباب. بالأمس مثلاً ذهبت لشراء قماشٍ من حيّ شعبي، كنت أتوق للحيّ الشعبي ذاته، أكثر من مغامرة اكتشاف الأقمشة. أمضيتُ الثلاث الليال السابقة في مجموعة مشاوير طارئة، كلما نظرت من السيارة إلى الرصيف ، شعرت أنه يناديني، لدرجة أن تنمّلاً مفاجأً دبّ أصابع قدميّ، كأنما كان يحثني لفعل ذلك. إن علاقتي مع الأرض تبدأ من القدم إلى خلف جمجمتي، حينما أمشي على سطح ما، دون جهد مني أجد أني أركز في طبيعة الأرض التي أمشي عليها، لم أشعر يوما أن الأرض هي مجرد سطح ماديّ صامت، أُحِس أن الأرض تشعر مثلما نفعل تماما. قبل يومان كنت في طريق العودة إلى المنزل، أنظر إلى هاتفي وبسبابتي أقلّب على نحوٍ سريع، بحثاً عن أغنية أهدهد فيها تعبي من اليوم، أمضغ كل شعوراً مرّني ولم أفهمه، بحثا عن الخفة، كما لو أني استيقظت للتو. بالفعل وجدتها، شغلّتها .. رفعت نظري إلى نافذة السيارة، أتأمل مشهد الرصيف الذي بدا راكضاً مثلنا، وخطوطه الضائعه إثر سرعة السيّارة، تزامن هذا مع مشهدٍ شعرت أنه رُتّب عمدا فقط لتعذيبي، شاهدت خروفا يهرب من صاحبه، رأيت عيناه وهي تزوغ يمنةً ويسره بهلع، وجسده الضخم الذي لم يسمح له بركضة سريعة، وذلك الصوف المليئ بالأتربة نتيجة نقله المتواصل عبر الطرقات، يركض بجسارة، ثم يترنح بيأس، وفجأة ارتطمت به سيارة أُجره، سقط الخروف على مسافة بعيدة، يتلوى على الأرض في منتصف شارع رئيسي. بدا المشهد آتيا من الجحيم، شعرت بانكماشة شديدة بصدري، أردت أن اعتذر للخروف بالنيابة عن الجميع، أن أعتذر مراراً وبإلحاح شديد، عن الجميع الذين ظنّوا أنه مجرد خروف، أمثل مكانٍ يتواجد به داخل الطناجر وفوق الأرز، عدت للمنزل وأنا أشعر بالمسؤولية تجاه ما حدث. شعرت بأنه كان بالإمكان تلافي عذابات الخروف، وأنه يجب أن نفعل شيئا تجاه فوضى العالم. أمسكت قطتي، احتضنتها بشدّة، كوعد بالحماية والرعاية، ومشهد الخروف في رأسي، ملقى على الأرض يحرك أطرافه باندفاع وألم، دون نجدة.

أيها الخروف الطيّب.. عذراً على الإنسان، أيتها الأرصفة الخشنة .. أنا قادمة، أيها الليل القمري استمر .. لست بخائفة.

طفولة

تقول أمي أني كنت طفلة صامتة، وقليلة الكلام، وحينما أتحدث، فقط أطرح مجموعةَ أسئلة، وتقول صديقتي .. التي شهدت طفولتي المبكرة، أني كنت طفلة حيوية أكثر من أقراني، تنظر بفضول نحو كل شيء، تقول جدتي .. أني لم أؤذي أحدا في صغري، بالرغم من وداعتي، إلا أني كنت قائدا لمجموعة الأطفال بشكل طبيعي دوماً. تقول خالتي أني مرة زرتها في منزلها عندما كنا في زيارة للقرية، أني مشيت الليل وحيداً دون رفقة، وأني قطعت المسافة دون إنارات في الشارع، طرقت الباب بيدي، أخبرتها أني أشعر بالملل، وأني أريد اللعب أو الحديث معها، تقول معلمة النادي الصيفي أني لست بعادية، وأنه يجب أن نحدد موعداً مع الأم؛ لنرى كيف لنا أن نحقق أفضل استثمارٍ لطفلة غير عادية .. مثلك. ذات المعلمة سألتني يوما ماذا لو أن الخرفان تطير. أخبرتها أنه يجب أن نضع أضواء تنبعث من الأرض نحو السماء لتنظم المسير، ويجب أن نعطي الخرفان مسارات محددة؛ حتى لا تصطدم وتسقط علينا، أتذكر في تلك الليلة، أني كنت أستمع مع والدي لمقابلة تلفزونية، مع ضيف كان يتحدث العربية بطلاقة، كنت أسجل الكلمات الرنّانة التي تربط الجمل ببعضها، قررت استخدامها في اجابتي على سؤال الخرفان في الورقة، كنت أريد للمعلمة أن تنظر إلى حلولي المقترحة، أنها حلول ناضجة، وتستحق القراءة والمناقشة، بالفعل حدث. تقول المربية أنه ذات يوم اشتعل حريق في المدرسة، كان الأطفال ينزلون الى الاسفل بهلع، كنت أنت الوحيدة التي تصعدين للأعلى بعزم صامت، لتنقذي ألعابك، كنتِ متأكدة أنك تستطيعين، و حينما منعتك من الصعود، كنت تصرخين: لا .. مكعباتي .. مكعباتي. يقول أبي أننا كنا نمشي بالمسعى في الحرم، بالخطأ علق مشبك شعرك في إحرام أحدهم، كنت تبكين طوال اليوم، وبحنق تجاه أننا لم نتخذ موقفا إزاء مشبك الشعر المفقود.

منذ الطفولة المبكرة، استطعت تكوين حميمية مع الأفكار كما لم يفعل أحدٌ من حولي، منحني ذلك صلابة كبيرة وفضول شاسع نحو التعلّم والتجربة، لكنّي في الـآنِ نفسه لم أستطع مسامحة كسل من حولي إزاء حياتهم، عقلي يقول دائما، إن كنتِ تستطيعين التحسين من الأمر، أو تتخذين خطوة ما تجاهه لمَ لا، افعلي، وفوراً. لم يكن ذلك مقبولا دائماً في محيطي، وأجد أن الجميع يتماهى دون انتباه لما يحدث. وإلى عمري المتأخرة الآن، لم أستطع أن أكون رحيمة تجاه كسل أحدهم. ولا أستطيع استجداء تبريرا للكسل. وأعزوا افتراضي المسبق أن أغلب الجمع كسول وأحمق يمتد من تلك الفكرة، وإن كان ذلك يحمل الكثير من الصحة، لكنّي لا أريد التفاعل مع الواقع بخيبة مسبقة، كما أفعل الآن.

موسيقى رحيمة

رأيان حول “09 | آسف”

  1. لا أملك من الفصاحه والبلاغة ما يكفي، وددت لو أكتب لك عن أعجابي الشديد بكلماتك فصاحتك لُغتك تعبيرك أفكارك الطريقه التي ترين الأشياء بِها وددت لو أضع قلباً عند كل كلمة وسطر أعجبني وددت لو أنك صديقي ،رفيّقي ،تحدثنّي بـ إستمرار عن أيامك بنفس الطريقة التي تكتب بِها ، أنها الثالثة والنصف فجراً وانا وحيد ..وحيد ،مضيت معظم يومي بمفردي ،إلى حين وجدت كلماتك يسعدني مروري بهذا المكان تسعدني القراءة لك .

    استمري هنا صديق كل ليلة الثالثة والنصف وحدةً سيمر من هنا ويجتمع بكلماتك .

    Liked by 1 person

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s