06 | أنيتشا

لم يمضي هذا الأسبوع على نحو اعتيادي كما توقعت، فالأفكار في رأسي فقدت تنظيمها المعتاد، وباتت تنشط بغتة وتخفت بغتة أخرى ،مما عرضني لشلل في القدرة على الإحساس أو عمل أي شيء، ولربما يعود ذلك إلى غياب القلق اليومي الذي كان يمدني به العمل، والذي كان يغذي غرائزي القتالية باستمرار، تركني وترك فراغا لم احسن ملئه للان، الأحاديث العشوائية التي كنت ارتجلها مع اختي وزميلات العمل وبعض الأصدقاء لم تعد متاحة كالسابق، وتركت هي أيضا فراغا لم احسن ملئه للان، والنشاط المفرط الذي عودت جسدي عليه خلال الستة الأشهر التي مضت، لم يعد حاضرا كما كان، فلا أدوات ولا مساحة ولا محفز للحركة وهذا بدوره وضع قلقا وفراغا إضافي لم احسن التعامل معهما للان.

قبل يومان غيّرت مكان مرآتي، و وضعتها بجانب الباب، لأضمن وجود انعكاسي في كل مرة أدخل بها غرفتي وأخرج، وازنتها بحيث لا تظهر شيئا عدا الجدار الذي خلفي وأنا، تلك إحدى هواياتي التي أحب، الاستعراض أمام المرآة، كما لو أني على خشبة مسرح أو بمشهد غنائي في فلم، أبدأ ذلك بالوقوف منتصبة وعلى ابهام قدمي الأيسر مُميلةً خاصرتي اليمنى إلى الأمام قليلا، كانت تلك حركتي الاستعراضية الأحب، والتي دربت جسدي عليها كثيرا.

ذلك يذكرني بكل الإجابات الكاذبة التي قلتها بشأن ما أريد فعله في المستقبل، فالحقيقة أريد أن أصبح ممثلة استعراضية،أو راقصة شرقية أو لاعبة “كلاستنيك” من الدرجة الأولى، أحب استخدام جسدي كوسيط للتعبير عني، وأحب استمالة المعنى بجسدي أيضا، وأعني بتعبير “أحب” أني في أوقات كثيرة إقتت بشكل أساسي على هذه الفكرة، والتي حفزتني للاستيقاظ في أيام لم أمتلك لها أسبابا للنهوض، بالرغم أني لم أنظم أي خطة لتحقيق هذا، لكن في نظري لا شيء يستحق الخلود أكثر من جسد امرأة قوي.

سألتني صديقتي سؤالا أثار فيّ مشاعر محمومة كنت قد هذبتها فيما مضى، ” بتول .. ما الشيء الذي تفتقدينه باستمرار” انسابت الكلمات مني دون إرادة، وكأنما كانت تعاقبني على كبتي المطول لها، قلت: شعور الانسجام مع ذاتي والألفة مع المحيط. تأملت إجابتي المرتجلة، وانتبهت أن تلك معادلة قامت عليها حياتي كثيرا.

لم أتصالح يوما مع فترة العصر و أواخر النهارات، يعود هذا لكونه الوقت التي تستعد فيه الشمس بعملها الانسحابي، والذهاب عن طقسي وأفقي، إلى طقوس وآفاق آخرين، فأنا “بنت النور” وعتمة النوافذ تصيبني بالوحشة، والليل ليس لي، الليل للأحباء، كما يغني طلال” عشقت الليل من شانه”


 

VideoToGif_GIF

F75544C4-8B68-4B61-B866-A82DCB6DC4E9

إن كان لابد من حكمة من وجود قطة في منزل، فهو أن نتعلم منها الاستحقاق بالقدوة، فالقطة  تأكل معنا دون دعوة منا لها، لأنها تشعر ببساطة أنها تستحق أن تأكل، تخربش الأبواب في أي وقت من اليوم ونفتح لها مضطرين، تنام على الأريكة رافضة أي مشاركة، ترفض شرب الماء من الوعاء بعد أن عرفت أن الجميع يشرب الماء من القوارير والقنينات.


 

لا أريد الاعتراف بدوافعي عن قولي هذا، لكن بالرغم من ميولي الإسرافية والإدمانية والهائجة، إلا أني تمرّست ضبط نفسي كثيرا، وكم حررني هذا بدوره من مخاوف ومتاعب كثيرة محتملة، وإن كان لابد من احتفاء بالذات، فتلك واحدة من الأشياء التي أفخر بها وأحبها في نفسي.

وفي سياق الطباع، من أكثر الطباع قبحا واستهجانا لدي هي نكران الجميل، وكم جاهدت نفسي على أن أستحضر امتنانا ولو صغيرا كل يوم، لذا صار لزاما عليّ ،على الأقل أن أستعرض بعض المباهج التي أصادفها بيومي:

أبدأ امتناني لمظاهر الحياة اليومية التي غابت عن انتباهي كثيرا .. صوت الأطفال في عصر اليوم والحماس الشديد اثر التنافس على ألعاب ساذجة وبسيطة أستطيع تميزها، الهواء الذي صار يحمل روائح عدة، تارة رائحة خبز و تارة رائحة بخور بسيط، أنواع جديدة من الطيور، تطأ سطح منزلنا كل صباح، تنقر أرضنا بانتظام كما لو أنها تؤدي استعراض شكر لنا على فتات الخبز الذي نثرناه، صفاء السماء عند الساعة ٧ مساء و الذي سمح لي بمراقبة الوميض النابض للنجمة المشعة التي تقف يوميا في ذات الموضع من السماء، وقصائد سيركون بولص التي اكتشفتها مؤخرا. 


 

يقال في البوذية ” أنيتشا” أو ” أنيكا” وتعني الغير مستمر، كلما عبرتني فكرة ساذجة أو توجس ما، قوّضت شعوري نحوه بهذه الكلمة: أنتيشا .. أنيتشا.

*لا أسباب واضحة تدفعني لكتابة تدوينة كهذه، عدا التوثيق ذاته،و لأجل خاطر في أثير نفسي لم أرد كبته.