شأن خاص

Ilyin Stanislav Valerievich (b. 1972, Russian)

مساء الخميس تحدثت مع صديق قديم لم أتحدث معه منذ فترة طويلة، صديقي هذا انتقل من الرياض إلى دبي للعمل، ودارت بيننا أحاديث تأملية حول جلّ الأشياء، إحداها كانت عن تأثير فوارق الجغرافيا والعمر على الواحد منا، في عرض ذلك الحديث قال: ٢٧ سنة من العيش كثير يابتول، كثير جدا. استنكرت في نفسي وأبديت ضحكة متملّصة من الفكرة وقلت ليس كثير؛ إن كنا سنعيش إلى عمر الـ ٨٠ عام مالم نَمت عرضيا. أجاب وإن يكن تظل كثيرة.

في عمر مبكرة كنت أظن أن الحصول على المقتنيات المادية هو ما سيعطي للحياة نكهتها، ثم ظننت أن وجود أحباء قد يعطي للعيش رغدا خاصا، ثم ظننت أن العمل سينقلني إلى آفاق أخرى لم أصلها، ثم آثرت على كل شيء بالتخفف متأملة في الوجود ومقتربة من الوجدان والروح، ثم انتبهت للشأن العائلي ظانة بأن لذلك مكاسب معنوية ضخمة. لا أقول أن كل هذا لم ينجح، لكل شيء في حياتي نجاح نسبي تام، لكن تلك الحالة من السلام والانسجام الكلي، لم أشهدها إلا في فترات نادرة من وجودي.

أحمل كوما على صدري، أعباءً على ظهري، وتخوما داخل عقلي، كل تلك هي تراكمات كثيرة مجرّدة لا تنقلها اللغة ولا الصوت الخام، وكم أستثقل سؤال الحال في بدء كل محادثة قصيرة، أي كذبة أخرى حيال ما أشعر به، تزيد من تراكماتي. أفكر في وجعي، ولا أظنه وجعا خاصا البته، على العكس تماما، مايزيد الوجع وجع في صدري أنه وجع مكرور، وماهو خاص فيه أنه غير منقول مني إلى الآخر، خصوصيته تقع فقط بأنه وجع أخرس، هلامي وشفاف غير قابل للنفاذ خارج حدودي.

بيد أني لا أستطيع وصف حالي بالبؤس أو السعادة، كل الأشياء الآن في حياتي لها حجمها الطبيعي العادي، الذي لا يمنح ميزة أو انحيازا خاصا لها، لكن هو خدر معنوي عريض يسري تحت جلدي ربما. ولا أُزعج أو أرغب بالتخلص منه، لكنه يدعوني باستمرار للمراقبة والتأمل.

أنتبه جيدا لكل فجوات عقلي حينما يفكر، ولإيقاعات مشاعري حينما تتحرك، أنتبه للروح والوجدان حينما يضطربان، لكني أفتقد لذلك الشيء الذي يجعل من العجلة أن تستمر بالدوران بكفاءة دون مساعدات خارجية كثيرة، وكم اشتاق لشعلة الرغبة والتطلع التي تزورني دون اشعارات مسبقة.

أحاديث يونيو الأخيرة

(١)

اليوم استيقظت وفي رأسي فكرة المرض، بأني تعبة وبي خطب ما، داهمتني بعدها فكرة أخرى بأن حياتي ليست ما يرام وأني أسير في طرق خاطئة، ثم شعرت برغبة بدفن نفسي أو الهرب بعيدا، تاركة كل المسؤوليات والأهداف التي بالفعل أمضيت فيها.

نهضت وحاولت ترك الفكرة على السرير، ذهبت إلى المطبخ بفكرة أخرى من نوع سأكون أكثر فاعليةً اليوم، أعددت قهوتي وإفطار خالٍ من مصادر الكاربوهيدرات، عدت إلى غرفتي سريعا قبل أن يلمحني أحد من الأسرة ويحاول ارتجال حديثا جانبيا قصير، أكلت وشربت قهوتي المقطرة، وسمعت موسيقى من نوع Lofi بشكل عشوائي، فتحت Notion كتبت واجباتي خلال اليوم والثلاث الأيام القادمة، شعرت بعدها بالغيظ وعدم الراحة؛ لأني مضطرة للاستجابة إلى واجبات تنفيذية بحتة، كتجديد البطاقة الشخصية، متابعة إجراءات إخلائي من العمل القديم، وارسال صورا شخصية إلى عملي الجديد. تأملت ذاتي التعِبة ولم أشعر برغبة بمساعدتها أو إيجاد حلول فورية للتخفيف عنها، ثم راقبت سماتي القلقة وهي تحاول دفعي للحركة، ولم أشعر بالتعاطف معها وقابلتها بالتجاهل، ثم تأملت شبابي والوقت وما أمتلكه الآن ولم أشعر بالامتنان أو المحبة، داهمتني رغبة سريعة بالبكاء والسقوط ولم أستطع، حاولت أن أهوّد نفسي بسؤال حنون، “بتول مالذي تشعرين به الآن؟” لألمس مشاعري المتراكمة وأقود نفسي، ولم أنجح.

(٢)

البارحة تحت الشمس نمت بملابس السباحة، كان الشاطيء خال إلا من بضعة أقدام تتحرك لا ألمح رؤوس أصحابها، نمت تحت الشمس دون حاجب أو وسيط، نمت تحت الشمس وأنا أشعر بصلة قديمة معها دون أي أميزها.

في طريقي إلى الشاطئ الذي يبعد مسافة ٤٠ كم متر من بيتي، كنت بصحبة عبدالرحمن *، وكلينا لم نكن بمزاجاتٍ تسمح بالحديث ولكلينا طبيعة منطوية، فضلنا الاستماع إلى قصة من قصص نايف حمدان عوضا عن الحديث. في الطريق حين انقطعنا عن المدينة وبدأ الخلاء بتمديد نفسه على جوانب الطريق، تسلل إلى قلبي شعورا بالألفة نحو المشهد، شعرت برغبة بالبكاء والفرح في الوقت ذاته، أنتبه جيدا أن واحد من أسباب شعوري بالاغتراب هو انفصالي المستمر عن الطبيعة بحكم ظرف المعيشة وبحكم سكني في المدينة، راقبت الصحراء وهي تعود وتختفي إثر مباني متفرقة على جوانب الطريق، وشعوري بالحنين إلى تلك البقع الأرضية الترابية الشاسعة لا يكف عن بث نفسه في روحي.

بجانب اكتساب السمرة كانت الفكرة من الذهاب إلى الشاطئ هي اللحظة التي أرتمي فيها تحت الشمس دون وسيط، لم أمتلك رغبة لا بالرقص ولا بالصخب ولا أي أحاديث جانبية، انتهت رحلتي القصيرة سريعا، اكتسبت السمرة وطفوت على الماء، راقبت السلطعونات السابحة وأسماك ضالة.

في المساء عدت بمكتسبات معنوية أعطتني رحابة امتدت لأيام، لازلت أحمل توعكات داخلية حول أمور أدركها جيدا، لكني لا أمتلك القدرة الآن على التصرف معها.

وسائط يونيو:

كتاب: The road less traveled

قناة Daily Stoic 

أغنية: Going nowhere

لا تضف عنوانا

البارحة أخبرني مديري أن الخميس سيغادر مسافراً إلى الرياض، لن يكون متواجداً في المكتب، لكنّه وعدني بإنهاء جميع ما هو معلّق من مهام مشتركة خلال الأسبوع القادم، بادلته بإيمائه .. بادلني بابتسامة، ودّعنا بعضنا برسمية دافئة، كما تليق بفارق العمر والمكانة. لسبب أجهله .. لكنّي لا أخشى مديري، ولا ألصق “طال عمرك” كما يفعل زميلي في بدء كل مناسبة حديث معه، ربما لم أفطِن يوما لكل تلك البروتوكلات الاجتماعية، لكنّي أصنف نفسي أني محبوبة ومحترمة بقدر كاف، وربما أكثر من زميلي.

منذ أن عرفت أن مديري لن يأتي، أعدتُ جدولة موعد الاجتماع مع مدير المشروع إلى بعد الظهيرة، حتى يتسنى لي الحضور متآخراً صباح غد، بالطبع نويت ذلك دون أي خشية من أن يكون ذلك مهدداً لعملي الحالي. هذا الشعور بالأمان مع قدر كاف من المرونة، ربما هو ما يمنعني باستمرار عن البحث عن عمل آخر.

هيفاء، أو كما لفظته لي: هيفا، هي آخر اسم أُضيف إلى جهات اتصالي، حسناً .. كيف بدأ الحديث، كانت هيفاء تحاول التقاط صورة لنفسها عبر سناب شات، مررت من خلفها واعتذرت لي أن وجهي قد ظهر في الصورة، أبديت عدم ممانعتي، خصوصاً إن بدوت حلوة كما في الواقع .. تضحك هي، ثم سألتُ هيفاء كيف حصلت على لونها البرونزي الرائع، بدأت تسرد لي قائمة المنتجات وكل الشواطئ الخاصة التي تترددها للمحافظة على لونها البرونزي. قد يبدو حديث هيفاء سطحيا وتافها، لكني استشعرت عمقا ما في طريقة سردها، كما أن كلماتها ونظراتها منسجمتان بشكل لذيذ. أجزم أن هيفاء تكبرني بأربع سنوات على الأقل. لكن طاقتها الشابة أذهلتني، تبادلنا أرقام الهواتف مع وعد بالذهاب الى الشاطئ الخاص سوية.

في طريق العودة إلى المنزل، كنت أنظر لكل الحركة الليلية بالخارج، حنين المشي على الرصيف يعود، وهالة الأشجار في الظلام، لا قمر اليوم، لكن .. الأطفال بالشارع يركضون، أظن أن تلك اشارة صريحة أننا لازلنا في عنفوان الخميس.

لا أشعر بالحزن، ربما لأن الحزن يأتي حينما أتوقف، كموسيقى نهائية لمشهد غروب، لكنّى الآن واليوم أعدو بلا انتهاء، في مضمار غير واضح الأفق، مجبرة .. كما لو أن الموت من خلفي مستمر بالمجيء. أشعر أني ابتعدت عن نفسي، أشعر بألم حاد في مشاعري، أشعر بالخيبة، والمرض والتعب، والفوضى، مكتظة .. مكتظة أنا إلى أقصاي، ويد الأم لم تعد حانية، وفراشي خال كل ليلة، والأصدقاء لا يمدون اليد كما يجب.

فكرت أن أمنح هذا التعب معنى، أن أكتبه دون أن أشاركه مع أصدقائي الخاصين، فكرت أن أسجل يومياتي باستمرار، لغرض نقل التجربة وتوثيقها، أن اكتب باسهاب عن كل ما يحدث، ربما يجد أحدهم هذه اليوميات والمذكرات لاحقا، ويكتشف أن حياتي هي حياته، أن حيواتنا مستعملة بالفعل، ربما حينها سيغير في النص قليلا، وسيجعل من أدواره في حياته أكثر بطولية مما فعلت أنا.

يشير موقع الحجوزات أن أقرب موعد مع معالجي سيكون في أكتوبر، إذاً يا “أنا” لا مناص من الاعتماد الكلي عليك، وربما بضع سجائر، و وجباتٍ سريعة، لا أعلم. لكنّ أشعر أن أيامي القادمة محمولة بأتعاب ومكاسب لست على استعداد لاستقبالها.

لا تقل لي اليوم” كيف حالك”، قل لي “حبيبي نامي” فأنا تعِبْ .. تعبٌ حتى القدم.

09 | آسف

آسف

هذه الأيام أشعر باغتراب شديد، وبتوق محمومٍ تجاه مجموعةٍ من المشاهد، بعضها قد عشتهُ مسبقا بالفعل. والبعض الآخر يشبه مشهداً آتياً من الضباب. بالأمس مثلاً ذهبت لشراء قماشٍ من حيّ شعبي، كنت أتوق للحيّ الشعبي ذاته، أكثر من مغامرة اكتشاف الأقمشة. أمضيتُ الثلاث الليال السابقة في مجموعة مشاوير طارئة، كلما نظرت من السيارة إلى الرصيف ، شعرت أنه يناديني، لدرجة أن تنمّلاً مفاجأً دبّ أصابع قدميّ، كأنما كان يحثني لفعل ذلك. إن علاقتي مع الأرض تبدأ من القدم إلى خلف جمجمتي، حينما أمشي على سطح ما، دون جهد مني أجد أني أركز في طبيعة الأرض التي أمشي عليها، لم أشعر يوما أن الأرض هي مجرد سطح ماديّ صامت، أُحِس أن الأرض تشعر مثلما نفعل تماما. قبل يومان كنت في طريق العودة إلى المنزل، أنظر إلى هاتفي وبسبابتي أقلّب على نحوٍ سريع، بحثاً عن أغنية أهدهد فيها تعبي من اليوم، أمضغ كل شعوراً مرّني ولم أفهمه، بحثا عن الخفة، كما لو أني استيقظت للتو. بالفعل وجدتها، شغلّتها .. رفعت نظري إلى نافذة السيارة، أتأمل مشهد الرصيف الذي بدا راكضاً مثلنا، وخطوطه الضائعه إثر سرعة السيّارة، تزامن هذا مع مشهدٍ شعرت أنه رُتّب عمدا فقط لتعذيبي، شاهدت خروفا يهرب من صاحبه، رأيت عيناه وهي تزوغ يمنةً ويسره بهلع، وجسده الضخم الذي لم يسمح له بركضة سريعة، وذلك الصوف المليئ بالأتربة نتيجة نقله المتواصل عبر الطرقات، يركض بجسارة، ثم يترنح بيأس، وفجأة ارتطمت به سيارة أُجره، سقط الخروف على مسافة بعيدة، يتلوى على الأرض في منتصف شارع رئيسي. بدا المشهد آتيا من الجحيم، شعرت بانكماشة شديدة بصدري، أردت أن اعتذر للخروف بالنيابة عن الجميع، أن أعتذر مراراً وبإلحاح شديد، عن الجميع الذين ظنّوا أنه مجرد خروف، أمثل مكانٍ يتواجد به داخل الطناجر وفوق الأرز، عدت للمنزل وأنا أشعر بالمسؤولية تجاه ما حدث. شعرت بأنه كان بالإمكان تلافي عذابات الخروف، وأنه يجب أن نفعل شيئا تجاه فوضى العالم. أمسكت قطتي، احتضنتها بشدّة، كوعد بالحماية والرعاية، ومشهد الخروف في رأسي، ملقى على الأرض يحرك أطرافه باندفاع وألم، دون نجدة.

أيها الخروف الطيّب.. عذراً على الإنسان، أيتها الأرصفة الخشنة .. أنا قادمة، أيها الليل القمري استمر .. لست بخائفة.

طفولة

تقول أمي أني كنت طفلة صامتة، وقليلة الكلام، وحينما أتحدث، فقط أطرح مجموعةَ أسئلة، وتقول صديقتي .. التي شهدت طفولتي المبكرة، أني كنت طفلة حيوية أكثر من أقراني، تنظر بفضول نحو كل شيء، تقول جدتي .. أني لم أؤذي أحدا في صغري، بالرغم من وداعتي، إلا أني كنت قائدا لمجموعة الأطفال بشكل طبيعي دوماً. تقول خالتي أني مرة زرتها في منزلها عندما كنا في زيارة للقرية، أني مشيت الليل وحيداً دون رفقة، وأني قطعت المسافة دون إنارات في الشارع، طرقت الباب بيدي، أخبرتها أني أشعر بالملل، وأني أريد اللعب أو الحديث معها، تقول معلمة النادي الصيفي أني لست بعادية، وأنه يجب أن نحدد موعداً مع الأم؛ لنرى كيف لنا أن نحقق أفضل استثمارٍ لطفلة غير عادية .. مثلك. ذات المعلمة سألتني يوما ماذا لو أن الخرفان تطير. أخبرتها أنه يجب أن نضع أضواء تنبعث من الأرض نحو السماء لتنظم المسير، ويجب أن نعطي الخرفان مسارات محددة؛ حتى لا تصطدم وتسقط علينا، أتذكر في تلك الليلة، أني كنت أستمع مع والدي لمقابلة تلفزونية، مع ضيف كان يتحدث العربية بطلاقة، كنت أسجل الكلمات الرنّانة التي تربط الجمل ببعضها، قررت استخدامها في اجابتي على سؤال الخرفان في الورقة، كنت أريد للمعلمة أن تنظر إلى حلولي المقترحة، أنها حلول ناضجة، وتستحق القراءة والمناقشة، بالفعل حدث. تقول المربية أنه ذات يوم اشتعل حريق في المدرسة، كان الأطفال ينزلون الى الاسفل بهلع، كنت أنت الوحيدة التي تصعدين للأعلى بعزم صامت، لتنقذي ألعابك، كنتِ متأكدة أنك تستطيعين، و حينما منعتك من الصعود، كنت تصرخين: لا .. مكعباتي .. مكعباتي. يقول أبي أننا كنا نمشي بالمسعى في الحرم، بالخطأ علق مشبك شعرك في إحرام أحدهم، كنت تبكين طوال اليوم، وبحنق تجاه أننا لم نتخذ موقفا إزاء مشبك الشعر المفقود.

منذ الطفولة المبكرة، استطعت تكوين حميمية مع الأفكار كما لم يفعل أحدٌ من حولي، منحني ذلك صلابة كبيرة وفضول شاسع نحو التعلّم والتجربة، لكنّي في الـآنِ نفسه لم أستطع مسامحة كسل من حولي إزاء حياتهم، عقلي يقول دائما، إن كنتِ تستطيعين التحسين من الأمر، أو تتخذين خطوة ما تجاهه لمَ لا، افعلي، وفوراً. لم يكن ذلك مقبولا دائماً في محيطي، وأجد أن الجميع يتماهى دون انتباه لما يحدث. وإلى عمري المتأخرة الآن، لم أستطع أن أكون رحيمة تجاه كسل أحدهم. ولا أستطيع استجداء تبريرا للكسل. وأعزوا افتراضي المسبق أن أغلب الجمع كسول وأحمق يمتد من تلك الفكرة، وإن كان ذلك يحمل الكثير من الصحة، لكنّي لا أريد التفاعل مع الواقع بخيبة مسبقة، كما أفعل الآن.

موسيقى رحيمة

08 | تحديثات

مضى على آخر تدوينة ٦٢يوماً، حدث الكثير خلالها، الكثير مما أستطيع ومالا أستطيع إدراكه وفهمه جيداً. تغيرات في ساعات العمل، تغير في أرقام الميزان، تغيرات في أعداد الأصدقاء، خروج أشياء ودخول أشياء أخرى، وبالرغم من هذا الحراك؛ إلا أن السأم بدأ يتفشى بداخلي، ليس سأماً من الحياة ذاتها، لكنه سأم التكرار، لم تعد الحياة تمضي بالشكل الذي أحبه، كما أني اعتدت لسنين طويلة على مرونة تشكيل الحياة كما أرغب، ربما لسني الصغيرة آن ذاك، وربما لرغباتي والتي لم تكن بالضخامة التي يصعب تحقيقها.

توقّع شاهق.

كان اشتغالي الدائم ولا زال هو اشتغالي على نفسي، لطالما توقعت منها الكثير، الكثير الذي آمنت أنه سيتحقق اليوم أو غدا أو آجلا، أدمنت توقعاتي من نفسي للدرجة التي صارت هي المحفز الوحيد للإقدام على أمر ما، واختبار احتمالية تحقق ذلك الشيء، وبمجرد أن أخوض الأمر بجلّي أنسى تماماً أني كنت أجرّب توقعاً فقط، مجرد توقع وافتراض، ليس بحقيقة مدرَكة ولا احتمالا مؤكداً، أصاب بالدهشة وجميع انفعالات الحماسة حين يتحقق توقعي حول نفسي، لكن لاحقا حينما أفشل في أمر ما، كان دافعي حوله هو فقط تجربة توقعي، أجدني أصاب بخيبة مضاعفة وأخبو كثيراً حتى من توافه الأمور. اليوم أنازع نفسي وأحايلها بأن تخفّض من توقعاتها، وأن تعمل أكثر بقلبٍ أكثر صلابة ورحابة.

العادة، العمل، التحسّن.

أكرر في رأسي هذا الترتيب: اجعليها عادة، استمري بالعمل، ثم فكّري بالتحسّن. والأمر ينجح! فعلا ينجح. طبّقت ذلك على روتيني الرياضيّ، بدأ الأمر فقط بجعل الذهاب إلى صالة النادي أمراً اعتياديا، خصصت ثلاثة أيام في الأسبوع لزيارة النادي، كتبت بالضبط مالذي سأفعله فور دخولي للنادي، قوائم الموسيقى التي سأسمعها، وفي أي وقت من اليوم سأذهب وفي أي يوم من الأسبوع. خلال الشهر الأول التزمت بذلك وصارت زيارة النادي أمراً اعتياديا تماما، لا يحتاج للكثير من التخطيط والترتيب المسبق، بعد شهر أضفت يوما آخر، بعد شهر آخر أضفت يوما آخر أيضا، ونجح الأمر. استمررت بالذهاب إلى النادي بذات الكثافة لخمس أشهر دون انقطاع، والنتائج كانت رائعة بحق. ولولا الكوفيد أراهن أني كنت سأستمر بالزخم ذاته إلى اليوم.

عزمت على تطبيق هذا الترتيب في نواح حياتي الأخرى. أريد روتينا خاصا للخلق وصناعة الأشياء، و روتين آخر للتواصل مع الآخرين، كون ذلك ليس من طبيعتي، أعني إبقاء دائرتي الاجتماعية حيّة.

قيمة مضاعفة.

إن صناعة القيمة هو فنّ، أدرك هذا بشكل واضح حينما أبتاع مساق تعليميا حول أمر ما دون تردد، فقط لأن القيمة التي يحملها يساوي أضعاف المال الذي سأقايض به للحصول على هذه المادة. الأمر ينطبق كذلك على الأصدقاء، والعلاقات، الأعمال. كلما ارتفعت القيمة التي يقدمها شخص ما، كلما ارتفع الطلب عليه، وكل تلك الميزات الأخرى، كالاحترام والتقدير والفرص وغيره. ولطالما فكرت مالقيمة التي أريد أن أقدمها بشكل مستمر، بالطبع لست بارعة في تقديم القيم العاطفية بالقدر الذي أشعر أني بارعة في تقديم قيمة فكرية أو حل لمشكلة ما، لطالما شعرت أن خُلقت لهذا، أعني أخبرني بالمزيد وسأقول لك مالخلل.

تجربة

أشرت في تدوينة سابقة أني بشكل مستمر سأبقي يدي على التجربة، مازلت ملتزمة بذلك، والفكرة لا تسقط من رأسي البتة، فعلت الكثير خلال الأشهر التي مضت، صنعت فديو وثقت فيه يومي، طلبت من مديري تغيراً في المهام الموكلة، وبالفعل حدث، تعرفت على أصدقاء جدد ومن فئات عمرية متفاوته دون خجل، أنشأت حسابا آخر في إحدى المنصات على الشبكة وأطلقت جانبا آخر مني، اشتركت مع مدربة رياضية، أخذت جلسة استشارية مع طبيب نفسي، سمحت لنفسي لأيام عديدة بالمضي دون إدماناتها التي اعتادتها، ولا زال العمل على إبقاء التجربة حيّة هو مشروعي الملازم في كل مرحلة.

مفضّلات

أقع في حبّ ايمان مرسال بشكل متجدد في كل مرة أقرأ ما تكتبه، للحد الذي أتمنى أن أمتلك قصائدها وأسجلها بصوتي.

الكتاب كان احدى توصيات فؤاد الفرحان، الكتاب يعطي إجابات عملية لمن يبحث عن تثبيت عادة ما بنهج واقعي.

إضافة إلى أن السيدة جينفر تمتلك بشرة رائعة، إلا أن ما أحبه فيها بحق هو عدم تكلّفها ورأيها الصريح حول المنتجات التي تستخدمها.

  • Colors – أغنية الصباح

It’s good day to be, a good day for me, a good day to see my favorite colors

07 | برتقال

*برتقال يبالغ في برتقاليّته  

8FE8D479-E36A-4854-BB41-9E1E4BD5695C

-ثيمة هذا الصباح: على بعد متران .. بثبات على جدائل الخُوص: برتقال يبالغ في برتقاليّته-


 

GIF image-F0ADD3252C9B-1

*نفاذ نحو الذات

هذه الأيام تمضي على ما يرام جدا، لا أفعل الكثير خلال اليوم، عدا الاستبصار نحو أفكار محددة؛ أحاول إعادة تنظيمها في رأسي للتحقق من جدواها، وكخطوات داعمة لذلك، تخلصت من كل ما يستعدي انتباها مضاعفا دون تبرير، حددت وقتا خاصا للعمل لن أتجاوزه، وإن عنى ذلك وقتا اضافيا وتأخيرا في تسليم المهام. يظن الأصدقاء أن أطباعي تلك معيقة؛ فهي تجعلني ألتف حول نفسي حسب وصفهم، لكني أمتن كثيرا لهذه الأطباع؛ فهي منحتني القدرة على النفاذ السريع نحو ذاتي حينما يتداعى الخارج، وأظن أن أكثر ما أنقذني في هذه الحياة بحق، هي رؤيتي المستمرة لنفسي وانتباهي لها. تمر لحظات أشعر فيها أني أنا والعالم واحد، أُصبح أكثر قبولا لما يحدث، وأكثر زهدا بما لا أملك، وأكثر هوادة بالحركة. وتلك لحظات نيّرة .. ثمينة، ومحررة، لا تستمر طويلا، فقط تأتي لتطفئ توقي المحموم نحو جوهر ما. 


IMG_6519

*تحت المجهر: خوف طُفيليّ

كشخص يرى العالم كنماذج -Models- بشكل مستمر، يشغلني سؤال الكيفية والماهية، في شأن شكل حياتي للعشر سنوات القادمة من عمري. لم أؤمن بالعشوائية كأسلوب عيش، ودائما هنالك خطة قيد التنفيذ، بالمقابل أحاول ابقاء رحباتي منفتحة ازاء مفاجات الطريق، و الحفاظ على ذهنية مرنة نحو أي تغيير في المسار، ما إن انتبهت أن الوجهة خاطئة. و لـأجيب على سؤالي هذا، كان لابد أن أتحرر من مخاوفي، حتى يكون جوابا خالصا وأصيلا .. بدون شوائب وأقنعة، ولا أعني بهذا التحرر من المخاوف الكبيرة الغريزية، والتي هي أيضا تستعدي اشتغالا خاصا، فإمكانية العيش بلا سطوة الخوف ممكنة جدا، لكنني أعني تلك المخاوف الطفيلية الحجم، التي تعبث بدوافعي وأسبابي للقيام بعمل ما، كالدافع الخائف الذي يحثني للرد على رسالة ما، أو لمجاملة تدفعني بالقبول بنعم نحو عرض ليس من أولوياتي، أو حتى لتصرفات عصابية بدت طبيعية من شدة ملازمتها لنا طويلا، كاستخدام الأكل للتسلية والهرب، الإدمان على المحفزات كالقهوة والإستمناء، وسلاسل من التسويف الامنتهي والغير مبرر. ولأتمكن من رؤية مخاوفي بشكل واضح، بات لزاما أن أطور قدرات ذهنية مختلفة، تسمح لي بالمراقبة الواعية، والتصرف العفوي في الوقت آنه، حتى تفضح عفويتي ذلك الخوف الطفيلي، وتلتقطها مراقبتي الفاحصة.


tumblr_otaqx5DY6G1u7t6tro1_1280

*تجربة.

لا أشعر أني لا أعرف ما أريد، لكني أشعر أن لدي نقص في التجربة، ولا أعني بذلك المزيد من التجارب العشوائية، لكن تلك التجارب التي تنطوي على احتمالات حول وجود مكسب ما  أو اجابات خلفها، كما أن التجربة  إن لم تكن مثالية النتائج، فهي فاعلة بذاتها، وتسمح لي على الأقل أن أعرف من أنا من خلال من لا أنا، أي أن أعرف نفسي بما هو ليس نفسي. وحتى أحقق ذلك أظن أنه من المهم جدا أن أعمل بالأقل وأجرب بالأكثر، وأن أختار تجاربي بعناية فائقة.


 

IMG_6520

*باب موارب، باب مغلق، باب مشرّع

اعتدت سنينا طويلة على ترك الأبواب مواربة، إما لصداقات أو علاقات عاطفية سابقة، لكنّي بالتجربة الصعبة تعلمت أن ذلك أسوء ما يمكن أن تقدمه لنفسك، دربت نفسي على حسم الأمور وإنهائها تماما بشكل لائق، ذلك يعني أن تترك مساحة شاغرة تسمح لفرص أخرى بالاقتراب والدخول، وأن تمتلك القدرة مجددا على النظر لخيارات أخرى. الأبواب المواربة ما هي إلا “هراء عاطفي” ومحاولاتٍ خجولة ممتلئة بالخوف والعار، خوف من المضيّ قدما بدون الأشياء التي اعتدناها، وشعور بالعار من قول لا، لأننا نظن أننا لا نستحق أكثر مما هو موجود الآن، لذا نشعر بشكل مستمر بحاجة لوضع احتياطات وضمانات إضافية عبر ترك أبواب تلك العلاقات والصداقات مواربة، حتى تمنحنا أمانا زائفا و وهما بالعودة.

عضلة حسم الأمور تلك تنمو في كل مرة نستخدمها، وهذا لا يعني أننا لن نكون مرهفي حسّ مرة أخرى، وسنعيش بالدم البارد، لكن يعني أننا سنكون أكثر مسؤولية تجاه أنفسنا، وتجاه من نختار، وسنعمل بجهدنا على توفير تواصل وعلاقات أكثر أمانا وحيوية، أمتن كثيرا لعضلتي تلك، الآن أنا إما أن أذهب بكلي نحو شخص ما وأسمح لـ “كُلّ” الطرف الآخر بالدخول إلى عالمي، وإما صرف النظر الكامل سيكون خطوتي القادمة. انتظمت حياتي الاجتماعية كثيرا، ولا أجد في قائمتي أناس لا أحمل معهم أي مشتركات، عدا زمالات العمل التي لم أفتح لها يوما أبوابي، لأني أكتفي بالنظر من النافذة لهكذا علاقات، إلا إذا أثبتت نفسها (أي الزمالة) أنها أكثر من ذلك. إن معرفة نوع الصلة التي تربطني بالآخرين سمح لي بتحديد شكل الاستثمار وقدره تجاههم دونما تقصير في حق نفسي. وأي علاقة لا تملك احتمالات النمو هي علاقة مثقوبة، مُهدِرَه، ومُضيّعة للذات في أحيان كثيرة .. على الأقل في تصوري. 

 

 

 

 

محمي: ذات مزدهرة – ملخص خاص

هذا المحتوى محمي بكلمة مرور. لإظهار المحتوى يتعين عليك كتابة كلمة المرور في الأدنى:

06 | أنيتشا

لم يمضي هذا الأسبوع على نحو اعتيادي كما توقعت، فالأفكار في رأسي فقدت تنظيمها المعتاد، وباتت تنشط بغتة وتخفت بغتة أخرى ،مما عرضني لشلل في القدرة على الإحساس أو عمل أي شيء، ولربما يعود ذلك إلى غياب القلق اليومي الذي كان يمدني به العمل، والذي كان يغذي غرائزي القتالية باستمرار، تركني وترك فراغا لم احسن ملئه للان، الأحاديث العشوائية التي كنت ارتجلها مع اختي وزميلات العمل وبعض الأصدقاء لم تعد متاحة كالسابق، وتركت هي أيضا فراغا لم احسن ملئه للان، والنشاط المفرط الذي عودت جسدي عليه خلال الستة الأشهر التي مضت، لم يعد حاضرا كما كان، فلا أدوات ولا مساحة ولا محفز للحركة وهذا بدوره وضع قلقا وفراغا إضافي لم احسن التعامل معهما للان.

قبل يومان غيّرت مكان مرآتي، و وضعتها بجانب الباب، لأضمن وجود انعكاسي في كل مرة أدخل بها غرفتي وأخرج، وازنتها بحيث لا تظهر شيئا عدا الجدار الذي خلفي وأنا، تلك إحدى هواياتي التي أحب، الاستعراض أمام المرآة، كما لو أني على خشبة مسرح أو بمشهد غنائي في فلم، أبدأ ذلك بالوقوف منتصبة وعلى ابهام قدمي الأيسر مُميلةً خاصرتي اليمنى إلى الأمام قليلا، كانت تلك حركتي الاستعراضية الأحب، والتي دربت جسدي عليها كثيرا.

ذلك يذكرني بكل الإجابات الكاذبة التي قلتها بشأن ما أريد فعله في المستقبل، فالحقيقة أريد أن أصبح ممثلة استعراضية،أو راقصة شرقية أو لاعبة “كلاستنيك” من الدرجة الأولى، أحب استخدام جسدي كوسيط للتعبير عني، وأحب استمالة المعنى بجسدي أيضا، وأعني بتعبير “أحب” أني في أوقات كثيرة إقتت بشكل أساسي على هذه الفكرة، والتي حفزتني للاستيقاظ في أيام لم أمتلك لها أسبابا للنهوض، بالرغم أني لم أنظم أي خطة لتحقيق هذا، لكن في نظري لا شيء يستحق الخلود أكثر من جسد امرأة قوي.

سألتني صديقتي سؤالا أثار فيّ مشاعر محمومة كنت قد هذبتها فيما مضى، ” بتول .. ما الشيء الذي تفتقدينه باستمرار” انسابت الكلمات مني دون إرادة، وكأنما كانت تعاقبني على كبتي المطول لها، قلت: شعور الانسجام مع ذاتي والألفة مع المحيط. تأملت إجابتي المرتجلة، وانتبهت أن تلك معادلة قامت عليها حياتي كثيرا.

لم أتصالح يوما مع فترة العصر و أواخر النهارات، يعود هذا لكونه الوقت التي تستعد فيه الشمس بعملها الانسحابي، والذهاب عن طقسي وأفقي، إلى طقوس وآفاق آخرين، فأنا “بنت النور” وعتمة النوافذ تصيبني بالوحشة، والليل ليس لي، الليل للأحباء، كما يغني طلال” عشقت الليل من شانه”


 

VideoToGif_GIF

F75544C4-8B68-4B61-B866-A82DCB6DC4E9

إن كان لابد من حكمة من وجود قطة في منزل، فهو أن نتعلم منها الاستحقاق بالقدوة، فالقطة  تأكل معنا دون دعوة منا لها، لأنها تشعر ببساطة أنها تستحق أن تأكل، تخربش الأبواب في أي وقت من اليوم ونفتح لها مضطرين، تنام على الأريكة رافضة أي مشاركة، ترفض شرب الماء من الوعاء بعد أن عرفت أن الجميع يشرب الماء من القوارير والقنينات.


 

لا أريد الاعتراف بدوافعي عن قولي هذا، لكن بالرغم من ميولي الإسرافية والإدمانية والهائجة، إلا أني تمرّست ضبط نفسي كثيرا، وكم حررني هذا بدوره من مخاوف ومتاعب كثيرة محتملة، وإن كان لابد من احتفاء بالذات، فتلك واحدة من الأشياء التي أفخر بها وأحبها في نفسي.

وفي سياق الطباع، من أكثر الطباع قبحا واستهجانا لدي هي نكران الجميل، وكم جاهدت نفسي على أن أستحضر امتنانا ولو صغيرا كل يوم، لذا صار لزاما عليّ ،على الأقل أن أستعرض بعض المباهج التي أصادفها بيومي:

أبدأ امتناني لمظاهر الحياة اليومية التي غابت عن انتباهي كثيرا .. صوت الأطفال في عصر اليوم والحماس الشديد اثر التنافس على ألعاب ساذجة وبسيطة أستطيع تميزها، الهواء الذي صار يحمل روائح عدة، تارة رائحة خبز و تارة رائحة بخور بسيط، أنواع جديدة من الطيور، تطأ سطح منزلنا كل صباح، تنقر أرضنا بانتظام كما لو أنها تؤدي استعراض شكر لنا على فتات الخبز الذي نثرناه، صفاء السماء عند الساعة ٧ مساء و الذي سمح لي بمراقبة الوميض النابض للنجمة المشعة التي تقف يوميا في ذات الموضع من السماء، وقصائد سيركون بولص التي اكتشفتها مؤخرا. 


 

يقال في البوذية ” أنيتشا” أو ” أنيكا” وتعني الغير مستمر، كلما عبرتني فكرة ساذجة أو توجس ما، قوّضت شعوري نحوه بهذه الكلمة: أنتيشا .. أنيتشا.

*لا أسباب واضحة تدفعني لكتابة تدوينة كهذه، عدا التوثيق ذاته،و لأجل خاطر في أثير نفسي لم أرد كبته.

(١): تسكع بصحبة الوقت.

الموسيقى التصويرية لهذا النص: Spirit Of The Warrior


مضى الأسبوع على نحو جيد في بادئه. هذا العزل الجسدي والاجتماعي وضعني في وفرة غير مسبوقة من الوقت؛ مما عرضني ذلك للكثير من التجربة والتأملات.

في وجه هذه الوفرة،كنت أخوض في نفسي تأملاً تاما، منذ مدة أشعر بكثافة في صدري، نوع من الدفء الذي ينتجه وجود شخصان في حيز لا تدرك حجمه، أشعر أني تجاوزت فكرة البحث، أعني البحث عن الذات،أشعر بشدة أني هنا وهذه ذاتي، أشعر بها وتشعر بي، نجلس متواجهين، ونقف متقاربين، كأنداد ربما أو شركاء لكننا لسنا أعداء بالطبع، لأننا عقدنا عهدا غليظا فيما مضى، أن اقبل بنواقصها و أن تقبل هي بقلة صبري وتقصيري في فهمها.

 حين يقول مارتي في مسلسل “Ozark“:

” كل شيء قابل للقياس إلا البشر”

أصدقه جدا، في ذات الوقت أصدق الانجيل في قوله

“Nothing new under the sun”

وهذا ايضا صحيح، نحن مكرورون بطريقة غير مكرورة، وهذا النقيض مثالي جدا للطبيعة البشرية، فهو يمنحنا تواضعا كلما تعالينا، و أسيّة كلما حزنا، و سؤالا كلما جهلنا، فنحن في مآسينا نتوحد، وفي رغباتنا نتمايز، نميل بشدة الى توليد معان كثيرة للألم والرغبة، لجعلهما أمرا نبيلا، حقيقيا، ومبررا، وهذا يثير فينا سؤالا، وحركة، وسكينة لمن ادرك واستبصر.

منذ مدة يلازمني سؤال أشعر أنه سيتصدر مناسبات حديث كثيرة مع الأصدقاء، وسجل مطول من كلمات البحث ذات العلاقة على متصفحي، كيف نبني هوية نستأنس بها وتعطينا سكينة مستمرة، بالوقت ذاته لا نمضي متبقي حياتنا في الدفاع عن تلك الهوية؟

يقول نيكوس كازنتزاكي ناحتا على قبره:

”أن لا أرجو شيئًا، ولا آمل بشيء. أنا حرّ”

أدرك أن التطرف في أمر كهذا قد يسحقني بالكامل، لكن بالحدس أعلم بوجود حكمة عبقرية في تحرر عريض كهذا.

من المحاولات التي اضفتها موخرا إلى قائمة اصلاحاتي، كان إعادة النظر في أسلوب تعلمي، فحسب تصنيفMBTI شخصيتي معماري INTP، فالطبيعة المرنة المتساهلة في P تتزامن مع طبيعتي المفكرة في T، و التي تخلق فيّ شغفا لا متناهي للمعرفة، لكنه يفتقد الى التركيز، ويظهر هذا بأن أولد أفكارا كثيرة لا استنتاجات أو ترابط متماسك في الفهم، وفي عمر متقدمة، أعني ٢٥ عاما، بدأ يصبح ذلك معيقا، فشعرت بحاجتي إلى وضع منهجيات تعلم صارمة بعض الشيء تنظم تحركي وتغذي شغفي في الوقت ذاته، سألت صديقة أثق بها” ما هي الموضوعات والاطروحات الفكرية التي تعتقدين أنها مهمة كمدخل إلى قراءة الفكر؟”، كان جوابها كالتالي: ” هذا يعتمد تماما على المواضيع التي تدخل دائرة اهتمامك، حددي المجال وابحثي عنه بهذا الشكل مثلا:

قضايا انسانية معاصرة

قضايا اقتصادية معاصرة

قضايا اجتماعية معاصرة

اقرئي مقالات في المجالات التي تدخل دائرة اهتمامك، ثم حددي القضية، ثم المؤلفين المؤثرين في هذا الجانب، وابدئي قراءتك لإطروحاتهم”

وأجد أن ذلك مناسب جدا، لذلك صنعت قائمة تحت الانشاء على Goodreads، تحت عنوان قراءات مركزة، سأضيف كتب تحمل قضايا متشابهة بتسلسل متدرج، وبأقل عدد ممكن.

تلك الاضافات تزامنت أيضا مع اتفاق ابرمته مع صديقة مقربة جدا، أننا سنتوقف عن تعاطي المعرفة التي من نوعية “How”، وسنبدأ بتقدير ما لدينا من معرفة، والتي اكتسبناها خلال الوقت المنصرم، وسنحاول اختبار ما تعلمناه بالممارسة، ومحاولة حصد نتائج محسوسة. وعليه قمت بإيقاف جميع اشتراكاتي على منصات المساقات التعليمية مثل linkedin learning، skillshare و غيرها.

بالأمس حدث أمر طارئ، وضعني في ربكة محتدمة، كنت أود الاعتذار لي بشكل متكرر، لكني سامحت نفسي قبل أن أشرع بالاعتذار، صباحا شكرت الحدث واطرافه في نفسي، أن تلك شارة تومض بأن لا مناص من مواجهة أمورا قد أجلتها أو تجاهلتها، المزيد من الوقت والصدق هذا ما احتاج، وأنا على طريق اخترته لذلك لا مبرر للقلق.

عزاء الأسبوع أتى من صورة شعرية بديعة لأحد الشعراء، قرأتها على مدونة عبدالله الوهيبي:

وقل للفؤاد إنّ نزا بك نزوةً من الروع

أفرخ؛ أكثر الروع باطله

” المعنى: إن الروع في القلب كالفرخ في البيضة، فهو يدعو الخوف إلى الخروج من القلب”

.

03 | خاطر

في ظل ظروف كهذه، أعني الجلوس في البيت، وعدم القدرة على الركض فوق الأجهزة الرياضية، و غياب الأحاديث القصيرة داخل المصاعد وزوايا المقاهي، أتأمل وأتفكر ليس لإستجداء حكمة ما أو بصيرة نافذة وحساسة، وإنما ما يحدث هو مسرحية شاسعة، تجبرك على النظر والفحص، أبطالها غريزة البقاء، والرغبة بالسيادة، الجنون، الهلع، والأكاذيب.

أفتح تقويمي الخاص المليء بالخطط والمنجزات والكثير مما هو معلّق، أفكر بحق، مالذي يدفعني للاستمرار في التقدم  لكل تلك الأهداف التي وضعتها؟، هل هو خوف من الخسارة؟ أم ندم استباقي  على عدم  الاستثمار  في شيء غير ملموس كالوقت؟ أم هو سعي لمكانة ما؟، هل هو إدمان العمل؟ أو توق محموم لتجربةٍ جديدة؟ أو ربما هو مجرد قلق وجودي خالص.

قرأت مقالة صباح اليوم، يقول فيها الكاتب أن على الأرض يعيش  مايقارب ٧.٥ مليار إنسان، ١٨.٦ دجاجة مليار، ٣ تريليون شجرة، كنت افكر كيف تستطيع أن تسع الأرض هذا كله؟ من أين كل ذلك التماسك؟، ماذا لو تسقط الأرض على الأرض؟، لا يوجد أرض؟  ما شكل الكثافة التي تحمل الأرض؟، هل هذا الفضاء؟ لماذا الظلام إذا؟

ثم قرأت مقالة عن تدمير الذات، كان الكاتب يستعرض ثلاث نماذج عامة يميل أصحابها  إلى الانتحار: ذلك الاهث وراء التطور شديد الفردانية المنفصل عن عادات المجتمع وتقاليده، أو ذلك الفرد المغمور بمعتقدات المجتمع ومطالبه، أو المنعزل بلا إرادة منه نتيجة للاضطراب الاقتصادي والأخلاقي، أخذت أتأمل لأي نموذج أنتمي، وكأني قررت الانتحار مسبقا.

بالرغم أن الأفكار و التساؤلات تتكاثر في رأسي، إلا أني أشعر بالسأم، ربما لأني اعتدت على دفع عجلة الحياة، ولم أعتد على دفع نفسي.